محمد بن جرير الطبري

199

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

والله الذي خلق كل شيء ، لا يخفى عليه ما خلق ولا شيء منه ، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، عالم بعددكم وأعمالكم وأعمال من دعوتموه ربا أو لله ولدا ، وهو محصيها عليكم وعليهم حتى يجازي كلا بعمله . القول في تأويل قوله تعالى : ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ يقول تعالى ذكره : الذي خلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ، هو الله ربكم أيها العادلون بالله الآلهة والأوثان ، والجاعلون له الجن شركاء ، وآلهتكم التي لا تملك نفعا ولا ضرا ولا تفعل خيرا ولا شرا . لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وهذا تكذيب من الله جل ثناؤه للذين زعموا أن الجن شركاء الله ، يقول جل ثناؤه لهم : أيها الجاهلون إنه لا شيء له الألوهية والعبادة إلا الذي خلق كل شيء ، وهو بكل شيء عليم ، فإنه لا ينبغي أن تكون عبادتكم وعبادة جميع من في السماوات والأرض إلا له خالصة بغير شريك تشركونه فيها ، فإنه خالق كل شيء وبارئه وصانعه ، وحق على المصنوع أن يفرد صانعه بالعبادة . فَاعْبُدُوهُ يقول : فذلوا له بالطاعة والعبادة والخدمة ، واخضعوا له بذلك . وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ يقول : والله على كل ما خلق من شيء رقيب وحفيظ يقوم بأرزاق جميعه وأقواته وسياسته وتدبيره وتصريفه بقدرته . القول في تأويل قوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ فقال بعضهم : معناه : لا تحيط به الأبصار وهو يحيط بها . ذكر من قال ذلك . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ يقول : لا يحيط بصر أحد بالملك . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وهو أعظم من أن تدركه الأبصار . حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : ثنا خالد بن عبد الرحمن ، قال : ثنا أبو عرفجة ، عن عطية العوفي ، في قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ قال : هم ينظرون إلى الله ، لا تحيط أبصارهم به من عظمته وبصره يحيط بهم ، فذلك قوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ الآية . واعتل قائلوا هذه المقالة لقولهم هذا بأن قالوا : إن الله قال : إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ قالوا : فوصف الله تعالى ذكره الغرق بأنه أدرك فرعون ، ولا شك أن الغرق غير موصوف بأنه رآه ، ولا هو مما يجوز وصفه بأنه يرى شيئا . قالوا : فمعنى قوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ بمعنى : لا تراه بعيدا ، لأن الشيء قد يدرك الشيء ولا يراه ، كما قال جل ثناؤه مخبرا عن قيل أصحاب موسى حين قرب منهم أصحاب فرعون : فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ لأن الله قد كان وعد نبيه موسى صلى الله عليه وسلم أنهم لا يدركون لقوله : وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى . قالوا : فإن كان الشيء قد يرى الشيء ولا يدركه ويدركه ولا يراه ، فكان معلوما بذلك أن قوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ من معنى لا تراه الأبصار بمعزل ، وأن معنى ذلك : لا تحيط به الأبصار ؛ لأن الإحاطة به غير جائزة . قالوا : فالمؤمنون وأهل الجنة يرون ربهم بأبصارهم ولا تدركه أبصارهم ، بمعنى : أنها لا تحيط به ؛ إذ كان غير جائز أن يوصف الله بأن شيئا